ابن رشد

180

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 260 ] والأصل الثاني أن كل من وجد عنه هذا الفعل الذي هو وضع الشرائع بوحي من اللّه تعالى فهو نبي . وهذا الأصل أيضا غير مشكوك فيه في الفطر الإنسانية ، فإنه كما أن من المعلوم بنفسه أن فعل الطب هو الإبراء ، وأن من وجد منه الإبراء فهو طبيب ، كذلك أيضا من المعلوم بنفسه أن فعل الأنبياء عليهم السلام هو وضع الشرائع بوحي من اللّه ، وأن من وجد منه هذا الفعل فهو نبي . [ 261 ] فأما الأصل الأول فقد نبه عليه الكتاب العزيز في قوله تعالى : « إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ » ، إلى قوله : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » ( - . . . « مِنْ بَعْدِهِ ، وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً » ( النساء 163 - 164 ) . وقوله تعالى : « قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ » ( الأحقاف 9 ) . [ 262 ] وأما الأصل الثاني ، وهو أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قد وجد منه فعل الرسل ، وهو وضع الشرائع للناس بوحي من اللّه ، فيعلم من الكتاب العزيز . ولذلك نبه على هذا الأصل فقال : « يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً » ( النساء 174 ) ، يعني القرآن . وقال : « يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ » ( النساء 170 ) . وقال تعالى : « لكِنِ الرَّاسِخُونَ ( 60 / و ) فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ » ( النساء 162 ) . وقال : « لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً » ( النساء 166 ) . [ 263 ] فان قيل من أين يعلم الأصل الأول ، وهو أن هاهنا صنفا من الناس يضعون الشرائع للناس بوحي من اللّه ؟ وكذلك من أين يعلم الأصل الثاني وهو أن ما تضمن القرآن من الاعتقادات والأعمال بوحي من اللّه ؟ [ 264 ] قيل : أما الأصل الأول فيعلم بما ينذرون به من وجود الأشياء التي لم توجد بعد ، فتخرج إلى الوجود على الصفة التي انذروا بها وفي الوقت الذي انذروا . وبما يأمرون به من الأفعال وينبهون عليه من العلوم التي ليست تشبه المعارف والأعمال التي